محمد بن الطيب الباقلاني

177

إعجاز القرآن

إثرنا " ، ولو قال " على إثرنا " كان كافيا ، والذيل إنما يجر ( 1 ) وراء الماشي ، فلا فائدة لذكره " وراءنا " ، وتقدير القول : فقمت أمشى بها ، وهذا أيضا ضرب من التكلف . وقوله " أذيال مرط " ، كان من سبيله أن يقول : ذيل مرط . على أنه لو سلم من ذلك كان قريبا ليس مما يفوت بمثله غيره ، ولا يتقدم به سواه . وقول ابن المعتز أحسن منه : / فبت أفرش خدي في الطريق له * ذلا وأسحب أكمامي على الأثر ( 2 ) وأما البيت الثاني فقوله " أجزنا " بمعنى " قطعنا " ، و " الخبت " : بطن من الأرض ، و " الحقف " : رمل منعرج ، " العقنقل " : المنعقد من الرمل الداخل بعضه في بعض . وهذا بيت متفاوت ( 3 ) مع الأبيات المتقدمة ، لان فيها ما هو سلس ( 4 ) قريب يشبه كلام المولدين وكلام البذلة ، وهذا قد أغرب فيه وأتى بهذه اللفظة الوحشية المتعقدة ، وليس في ذكرها والتفضيل بإلحاقها بكلامه ( 5 ) فائدة . والكلام الغريب واللفظة الشديدة المباينة ( 6 ) لنسج الكلام قد تحمد إذا وقعت موقع الحاجة في وصف ما يلائمها ، كقوله عز وجل في وصف يوم القيامة : ( يوما عبوسا قمطريرا ) ( 7 ) . فأما إذا وقعت في غير هذا الموقع ، فهي مكروهة مذمومة ، بحسب ما تحمد في موضعها . وروى أن جريرا أنشد بعض خلفاء بنى أمية قصيدته ( 8 ) : بان الخليط برامتين فودعوا * أو كلما جدوا لبين تجزع ؟ / كيف العزاء ولم أجد مذ بنتم * قلبا يقر ولا شرابا ينقع ( 9 ) قال : وكان يزحف من حسن هذا الشعر ، حتى بلغ قوله : وتقول بوزع : قد دببت على العصا * هلا هزئت بغيرنا يا بوزع

--> ( 1 ) م : " إنما ينجر " ( 2 ) كذا في م ، ك ، ا ، وفى س : " أذيالي " ( 3 ) كذا في م ، ك : " متقارب " . ( 4 ) ك : " سلس القياد قريب " ( 5 ) س ، ك : " كلاهما " . ( 6 ) سورة الانسان : 10 ( 7 ) م : " الشريدة المتباينة " . ( 8 ) الخبر في الشعر والشعراء 1 / 15 . ( 9 ) ا : " ولم أفد " ك : " ولا شراب " إعجاز القرآن